الرأي والتحليل

الكلام الدغري.. هشام احمد المصطفى (ابو هيام) يكتب: مريم إبراهيم بين لهيب الفقد وعزاء الشهادة: قصة أمّ سودانية جسّدت الصبر والإيمان

. وجع الفقد لا يُحتمل
حين تفقد الأم أبناءها، فإن الكلمات تعجز عن وصف ما يسكن قلبها من ألم، وتصبح المشاعر جمرًا لا يُطفأ، ونارًا لا تهدأ. وهذا ما حدث للحاجة مريم إبراهيم، التي فُجعت برحيل فلذتي كبدها، مروان ومعاذ، شابين في مقتبل العمر، اختارهما الله إلى جواره، في وقت كانت الأحلام تنمو، والخطى تتسارع نحو المستقبل.
إنه وجع لا يُحتمل، لكنه في قلب مريم تزيّن برداء الإيمان، وانحنى أمام إرادة الله، فكان لها ما يُشبه الكسر وما يُشبه الجبر في آنٍ معًا. ما أصعب أن يُنتزع من الأم قلبها وهي تنظر إليه يرحل، ثم تقف لتقول: الحمد لله، على ما أعطى وعلى ما أخذ. وحدها النفوس التي تشرّبت بنور اليقين، تستطيع أن تتماسك عند صدمة بحجم السماء.

IMG 20250423 WA00271
الفقد في ثقافتنا السودانية لا يُقاس فقط بالبكاء، بل بكيفية الصبر والتسليم، والناس تراقب الأم الثكلى: إن جزعت، جزعوا، وإن صبرت، صبروا. وقد كانت مريم قدوة، رمزًا لصبر أمهات الشهداء في السودان، اللواتي قدّمن فلذات الأكباد فداءً للوطن أو استشهادًا في ساحات العطاء.
. مروان ومعاذ: شباب في عمر الزهور ونفوس شهيدة
مروان ومعاذ لم يكونا مجرد اسمين في دفتر الحياة، بل كانا زهرتين تتفتحان على دروب الرجولة، ونموذجين للشباب الملتزم، النافع، المُحب لأهله ومجتمعه. كانا يُعليان قيمة الصلاة، ويوقّران الوالدين، ويبتسمان للجار والصديق والغريب. في بيتهما، كانا شعلة حياة، وفي حيّهما قدوة حسنة.
كان مروان هادئًا بطبعه، عميقًا في حديثه، ينظر بعينٍ من الحكمة رغم صغر سنه. أما معاذ، فكان نشيطًا، يحب التطوع، ويسعى لخدمة الآخرين بصمت. من يعرفهما، لا يملك إلا أن يدعو لهما. وعندما نعى الناس رحيلهما، لم تكن الدموع وحدها حاضرة، بل شهادات من نور: كانا من أهل الخير، من أهل البر، من الوجوه التي يُستبشر بها.
ومن أبرز ما عُرف عنهما من أخلاق: الصدق في القول، والأمانة في المعاملة، والتواضع في السلوك، وحب مساعدة المحتاجين. كانا يُشاركان في الأعمال الخيرية، ويزوران المرضى، ويحملان في قلبيهما رحمة واسعة لكل الناس. ومنذ صغرهما، تربّيا على احترام الكبير، والعطف على الصغير، وكانا يلتزمان بحلقات التحفيظ ويدعوان أصدقاءهما لفعل الخير.

IMG 20250504 WA0028
وقد شاء الله أن يختم لهما بخاتمة الشهادة، وهي منزلة لا تُنال بالأماني، بل يُختار لها أصحاب القلوب النقية، والأعمال الطيبة. نحسبهما كذلك، ولا نزكي على الله أحدًا.
. مريم إبراهيم: أمّ صابرة ضربت أروع الأمثلة
الحاجة مريم إبراهيم، رغم كبر سنها، ورغم أن الفقد مضاعف، وقفت يوم المصاب وقفة الجبال. لم تنهار، لم تصرخ، بل كانت تُردّد في وجه المصيبة: “إنا لله وإنا إليه راجعون”، وكأنها تُربّت على قلوب الآخرين لا على قلبها فقط.
كانت دموعها تسيل، نعم، لكنها دموع خاشعة، لا يأس فيها، بل رجاء. قالت أمام الجميع: “أبنائي أمانة، وربنا استرد أمانته، وأسأل الله أن يتقبلهم شهداء، ويجمعني بهم في الفردوس الأعلى”. أي قلب هذا؟ وأي إيمان هذا؟
لقد صارت مريم حديث المدينة، بل حديث كل من عرفها. لم تصبر فقط، بل بثّت الإيمان في قلوب من حولها. علّمت الناس أن البلاء جزء من الطريق إلى الله، وأن الرضا ليس كلمة، بل فعل يتجسّد في الصمت، في الدعاء، في التماسك، في حسن الظن بالله.
. مكانة الشهيد في الإسلام: عزاء من السماء
حين يرحل عزيز، نبحث عن عزاء. وإن كان الراحل شهيدًا، فالعزاء لا يأتي فقط من الناس، بل من السماء. فالشهادة في الإسلام ليست موتًا، بل حياة أرفع، ومقام أسمى. قال الله تعالى: “ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله”.
الشهيد يُكرّمه الله بست كرامات، كما في الحديث الشريف، منها غفران الذنوب، ورؤية المقعد من الجنة، والأمان من الفزع الأكبر، والشّفاعة. وكل هذا، لا يُواسي الأم فقط، بل يربط على قلبها. فهي لا تبكي ميّتًا، بل تُودّع حيًا في البرزخ، كريمًا في الآخرة.
وهذا العزاء، ما كان ليهدأ في قلب الحاجة مريم، لولا إيمانها العميق. كانت تقول: “الله كريم، لا يضيع من مات في طاعته، وأبنائي في أمان الله”.
. تكافل المجتمع السوداني وقت المحن
من أعظم ما في مجتمعاتنا، أنّ المصيبة لا تبقى حكرًا على أهل البيت. حين يحزن واحد، يحزن الجميع. وهذه السمة ظهرت جليًا في مشهد العزاء. المئات، بل الآلاف، حضروا إلى بيت الحاجة مريم، لا ليواسوها فقط، بل ليأخذوا منها درسًا في الثبات.
رجال الدين، الجيران، الأهل من داخل وخارج الولاية، جاءوا يحملون أكفان الدعاء، وأكفّ المواساة. من لم يعرف مروان ومعاذ، بكى لأجل مريم. ومن لم يقابلها يومًا، أحسّ أنّها أمّه. وكان للعزاء روح خاصة: دعاء مشترك، تلاوة قرآنية جماعية، ذكر واستغفار، وخطابات تسلّي لا تُسلي.
هذا التماسك الاجتماعي، لا يُقاس بالمظاهر، بل بالفعل. من ساهم بالطعام، ومن جلس للسهر، ومن نظّم حركة العزاء، ومن قال كلمة طيبة، كلّهم كانوا يسندون مريم في لحظة الانهيار، ويقولون لها: “نحن أبناؤك، لا تجزعي”.
. رسائل خالدة من قلب المصاب
هذا المصاب لم يكن لحظة حزن فقط، بل كان لحظة وعي. أن نتذكّر جميعًا أنّ الموت آتٍ، وأن الاستعداد له أهم من الخوف منه. أن نُربّي أبناءنا على الإيمان والعمل الصالح، لأن خاتمة الإنسان تُبنى على ساعاته الأخيرة، وعلى عمره كله.
الحاجة مريم، علمتنا أن الأم ليست فقط من تلد، بل من تُربّي على الصلاة والصدق والبر. ومروان ومعاذ، علّما أقرانهم أنّ الرجولة ليست في القوة فقط، بل في الخُلق، في الاحترام، في حب الخير، في الحياء والتسامح. وقد شهد لهم الجميع بأنهم من الشباب الذين زيّنوا بيوتهم ومجتمعهم بالأدب وحسن المعاملة.

IMG 20250504 WA0027
وإذا كانت الدنيا قد ضاقت في لحظة الفقد، فإن الرجاء في الله قد وسّعها، والرضا قد جملها. في النهاية، لن تبقى الأحزان، ولكن ستبقى الذكريات الطيبة، والدعوات الصادقة، وسير من نور.
ختامًا، نقولها مرة أخرى، بقلب مؤمن: رحم الله الشهيدين مروان ومعاذ، وجعل مثواهما الفردوس الأعلى، وربط على قلب أمهما الحاجة مريم إبراهيم، وجزاها عن صبرها وإيمانها خير الجزاء. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى